في عالم الأعمال الرقمي سريع التطوّر، أصبحت الحاجة لوجود موقع إلكتروني ضرورة وليست رفاهية. كثيرون ممن كنت أسألهم “لماذا تريد موقعًا إلكترونيًا” لا يعرف السبب بالضبط ولكنه يعرف فقط أنه بحاجة له، فربّما لا يعرف الإنسان السبب العلمي وراء احتياجه للشعور بالدفء مثلًا ولكن ما يريده هو ذلك الشعور عندما تكون درجة الحرارة 4 مئوية.
في هذه المقالة لن أخوض في موضوع لماذا وجود موقع إلكتروني ضرورة وليس رفاهية، إنّما أريد الإضاءة عن شيءٍ يُعتبر وجوده أساس الحاجة لوجود موقع إلكتروني.
ما الذي يجعل الموقع حاجة أو ضرورة؟
دعني أسألك سؤالًا: هل سبق أن تعلّمت شيئًا ما بشكل ذاتي؟ مثلًا حضرت دورة تدريبية لتعليم استخدام أداةٍ ما، شيئًا مثل (إكسيل، باوربوينت، أوتوكاد، فوتشوب..إلخ)، عادة ما تشعر وبسبب الحماسة أنك تريد القفز إلى الجزء التطبيقي مباشرةً، أليس كذلك؟
في الحقيقة أغلبنا نحاول ذلك لسببين برأي:
- الحماسة للتعلّم والتطبيق
- الشعور بالملل من الأساسيات النظرية
وكثيرًا ما يؤكّد الخبراء والأساتذة للطلّاب على أنّ تعلّم الأساسيات المملّة ضروري وجوهري لتعلّم ما بعده.
سؤال آخر (تحمّلني 😀): هل يمكن لشخص ما يريد تعلّم الجراحة أن يقف إلى جانب طبيبٍ جرّاح مدة 5 سنوات ويتعلّم منه الطبّ لمجرّد أنّه عرف كيف يمسك بمبضع الجراحة أو أي أداة جراحية في العمليات؟
أعتقد أنّ هذا غير ممكن لأنه ربّما يتعلّم طريقة استخدام الأدوات الجراحية، وربّما يتعلّم مثلًا إجراء عملية استئصال الزائدة الدودية، غير أنّه لم يتعلّم سوى الإجابة عن سؤال (كيف) ولم يتعلّم أي شيء عن سؤالي (ماذا) و(لماذا) اللذين إن تعلّمهما أصلًا سيتعلّم (كيف) بتحصيل حاصل.
الموقع الإلكتروني مثل مبضع الجرّاح (وسيلة) وهو إجابة عن سؤال (كيف) ولكن إن لم تجب عن سؤالي (ماذا) و(لماذا)، فستكون فائدة الموقع (الوسيلة) محدودةً جدًّا.
ما الذي يجب أن يوجد قبل البدء بتصميم موقع إلكتروني لتحقيق أقصى فائدة منه؟
باختصار: أن يكون لديك خطّة بعيدة المدى، أو سمّها استراتيجية (حسب الترند) تعرف من خلالها مكانك الحالي وإلى أين ستذهب. خطّة تجيب من خلالها عن سؤال (لماذا أنت؟ لماذا علامتك؟) و(ماذا ستقّدم) و(لمن) ثم (كيف؟).
إنّ تطوير استراتيجية العلامة التجارية (الغاية) يعتبر أساسًا مهمًّا لكثير من الأمور (الوسائل) مثل تصميم هوية العلامة التجارية، إعداد الخطة التسويقية، وتصميم الموقع الإلكتروني وتحديد مكانه من الخطة. فالموقع الإلكتروني والشعار وجودك على وسائل التواصل الاجتماعي، كلها أدوات وليس غايات وما يحدّد مكان الأداة، وما شكلها، وما طبيعتها هي الاستراتيجية التي يجب على صاحب كلّ عمل أو خبير ألا يهملها.
عندما تتجذر هوية العلامة التجارية في أساس كل خطوة في العمل والتطوير، ومن ضمنها تصميم وتطوير الموقع الإلكتروني، يصبح كل عنصر من عناصره أكثر فائدة ويعكس رؤية العلامة وقيمها.
الآن دعونا نستعرض أهمية وجود استراتيجية علامة تجارية متكاملة وأثرها على فعالية الموقع في تحقيق الأهداف التسويقية للخبير أو مقدّم الخدمات أو لأي صاحب عمل.
ما هي الاستراتيجية أصلًا، وما مدى أهميتها؟
الاستراتيجية ليست مجرد مصطلح فضفاض يطلق في عالم الأعمال، بل هي ببساطة الخريطة التي توجّه كل خطوة يتحرّك بها أي مشروع نحو تحقيق أهدافه؛ الاستراتيجية هي:
- خطة واضحة وبعيدة المدى
- تنطلق من قيم ثابتة
- لتحقيق غايةٍ ما
- من خلال أداء مهام معينة
- للوصول إلى رؤية العلامة التجارية.
وقد يتساءل الكثيرون، “هل بالفعل هناك أهمية كبيرة لوجود استراتيجية أو خطّة؟”
أهمية وجود استراتيجية واضحة
تخيّل أنّك في طائرة تتوجّه من القدس إلى مكّة وبعد جلوسك في أحد مقاعد الطائرة سمعت أنّ الطائرة تعطّل فيها نظام الملاحة وسيعتمد الطيّار على الرؤية من زجاج الطائرة للوصل إلى الوجهة أي أنّه سيتحرّك حسب حدسه دون خريطة! هل كنت ستشعر بالأمان؟ بل ستفكّر في 100 شيءٍ آخر متشكّكًا هل سوف يوصلني قائد الطائرة إلى وجهتي أم ستهبط الطائرة في مكان آخر بسبب نفاد الوقود؟ هل ستقع الطائرة؟ هل وهل وهل..إلخ.
وجود استراتيجية واضحة ومحددة يُشعِر العميل بأنّ هذه المؤسّسة تسير بشكل منظّم وليس عشوائي، لأنّه يشعر بتناسق مستمرّ كلّ مرة يطلب منتج أو خدمة من هذه المؤسّسة.
أمثلة على أهمية وجود استراتيجية فعالة:
- توجيه الأهداف: الاستراتيجية تساعد في تحديد الأهداف بصورة أوضح، فمن خلال معرفة نقاط القوة والضعف وما لديك من موارد (مال، وقت، أدوات، قوة بشرية..إلخ)، يصبح من السهل تحديد أهداف واقعية يمكن قياسها ومتابعتها وتحديد أولوياتها، فلا يقفز المؤسس من هدف إلى آخر دون وعي إذا كان لا يخدم الاستراتيجية وهذا بحدّ ذاته يشكّل رؤية أوضح للمؤسس وللفريق الذي يعمل معه.
- توزيع المهام: بفضل الاستراتيجية، يمكن توضيح من يقوم بماذا داخل الشركة أو المؤسّسة، بل حتى لو كانت شركة من فرد واحد فإنّ ذلك يسهم في تنظيم العمل وتخفيف الأعباء.
- زيادة الكفاءة: مع وجود استراتيجية، يتمكن الفريق من العمل بكفاءة، حيث يعرف كل فرد دوره وماذا يُتوقع منه ومتى، فيستطيع المؤسس حينئذ التركيز على تطوير عمله وتوسيعه وتفويض ما يجب إلى الشخص المناسب.
كيف تؤثر الاستراتيجية على اتخاذ القرارات؟
وجود استراتيجية قوية يسهّل عملية اتخاذ القرارات. فعندما يطرأ على ذهن المؤسس أو مدير التسويق أو المبيعات أو أي عضو في الفريق فكرةً ما، أو قرارٍ ما يتم العودة إلى الاستراتيجية من أجل التأكّد من أنّ الفكرة المقترحة أو القرار يتماشى مع الاستراتيجية، فإن كان لا يتماشى يُعدّل أو يُلغى من الأساس لأنه يعدّ تشتيتًا ولا يخدم رؤية المؤسسة.
مثال على ذلك – تجربة شخصية: عادةً ما يطرأ على بالنا (أنا أو شريكي) أفكارًا نجدها رائعة نستلهما من شركات أخرى أو من خلال قرائتنا لكتاب هنا أو مقالة هناك، فيخطر على بالنا أن نحوّل الفكرة إلى محتوى (منشور تواصل اجتماعي مثلًا) ونشعر بالحيرة هل من المناسب أن ننشرها أم لا، عندها نضع الفكرة تحت مجهر الاستراتيجية فإن كانت تتماشى معها ننسّق مع الفريق لتطوير الفكرة ثم يتم النشر، وإلّا يتم التعديل لتتماشى مع الاستراتيجية أو حتى نتراجع عن الفكرة نهائيًا وكثيرًا ما يحصل ذلك، فوجود استراتيجية علامة تجارية لشركتنا جعلتنا نسير بخطىً واضحة في طريق تحديد أهدافنا دون تشتيت أنفسنا أو جمهورنا.
الاستراتيجية تؤثّر أيضًا على بعض الجوانب الأخرى في عملية اتخاذ القرار، وهذه أمثلة أخرى:
- تحديد الأولويات: الاستراتيجية تساعد في تحديد أي المشاريع أو المهام الأكثر أهمية في الوقت الحالي.
- تجنب التكرار: من خلال التوجيهات الواضحة، يمكن تجنب اتخاذ قرارات قد تؤدي إلى تكرار الجهود أو تجاوز الميزانية.
- تحسين الاستجابة وسرعة الحركة: عندما تواجه المؤسسة تحديات، فإنّ وجود استراتيجية يجعلها أكثر قدرة على التعامل معها بسرعة ودقة بما يخدم الرؤية العامة للمؤسسة المنصوص عليها بشكل واضح في الاستراتيجية.
أثر الاستراتيجية على الموقع الإلكتروني
بوجود استراتيجية تصبح الآراء الكيفية أقل قيمةً مقابل القرارات المبنية على أساس استراتيجي واضح، ومن الأمثلة العملية على ذلك:
- الصفحات التي يجب أن تتواجد في الموقع
- أسلوب كتابة نصوص الموقع (رسمية، ودودة، متوازنة..إلخ)
- أسلوب تصميم الموقع (رسمي، مرح، عصري، فني، فخم..إلخ)
- طبيعة التفاعل وحركات الأنيمشن على الموقع (سريعة، هادئة، بدون أنيمشن..إلخ)
ولو فرضنا أن المصمم أو صاحب العمل أراد أن يضيف قسمًا ما، أو صفحة أو تعديل على الشكل، نرجع إلى الاستراتيجية بدلًا من الاعتماد على الآراء الكيفية للتأكّد من أنّ ما ستتم إضافته أو تعديله يتماشى مع الاستراتيجية أم لا، وبذلك نضمن تناسقية (Consistency) دائمة طوال الوقت.
أثر الاستراتيجية على الخطة التسويقية
كلّما كانت المؤسسة أو الشركة أكبر كلّما أصبحت الحاجة أكثر إلحاحًا لوجود استراتيجية علامة تجارية، فأقسام التسويق في الشركات عادةً ما تكون أكثر ديناميكيةً وتتجدّد باستمرار، وعدم وجود استراتيجية واضحة قد يؤدي إلى تغيير حاد في شكل الرسائل التسويقية للشركة من مدير تسويق إلى آخر وهذا أسوء شيء قد يحصل لمؤسسة أو عمل تجاري.
أمثلة عملية على تأثير وجود استراتيجية على خطة التسويق:
- اختيار المنتج الأكثر ربحية للتركيز عليه أكثر من غيره.
- تمييز المنافس من الصديق، فبعض العلامات التي لا تملك استراتجية واضحة قد تخلط بين المنافس والصديق!
- تحديد أفضل فئة من الجمهور يمكن استهدافها.
- تحديد القنوات الأفضل للتواصل مع الجمهور المستهدف.
- تطوير خطـة تحويل المهتمين إلى عملاء وتحديد أنسب الأدوات.
- وغير ذلك الكثير..
الخلاصة
في عالم الاقتصاد الرقمي، يُعتبر وجود موقع إلكتروني ضرورة أساسية، ولكن الأهم من ذلك هو وجود استراتيجية واضحة تحدّد الغاية من هذا الموقع. حيث إنّ الموقع الإلكتروني هو أداة تعكس هوية العلامة التجارية، ويجب أن يُبنى على أسس استراتيجية متينة تجيب عن أسئلة “ماذا” و”لماذا” و”كيف”.
تتطلب هذه الاستراتيجية تخطيطًا دقيقًا يحدد الأهداف، يوزّع المهام، ويزيد من كفاءة العمل. وعندما تكون الاستراتيجية موجودة، يصبح اتخاذ القرارات أكثر سهولة، مما يساعد المؤسسات على تحديد أولوياتها وتجنب التكرار.
علاوة على ذلك، فإن الاستراتيجية تؤثر بشكل مباشر على تصميم الموقع الإلكتروني وخطة التسويق، مما يضمن تناسق الرسائل التسويقية ويعزز فعالية التواصل مع الجمهور المستهدف.
في النهاية، فإن تطوير استراتيجية علامة تجارية متكاملة لا يُعتبر مجرد خيار بل هو ضرورة حتمية لكل صاحب عمل يسعى لتحقيق النجاح والاستدامة في بيئة الأعمال المتغيرة. من خلال التركيز على الاستراتيجية، يمكن للمؤسسات تحقيق أهدافها بكفاءة وفعالية، مما يضمن لها البقاء أطول فترة ممكنة في السوق.